محمد بيومي مهران

70

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

أن جمهرة المؤرخين والمفسرين إنما تذهب إلى أنه كان أشبه بوزير التموين أو المالية أو ما يشبه ذلك ، مما يفهم منه أنه كان المسؤول عن جمع الغلال وحفظها في الأهراء في سنوات الرخاء ، وحسن استخدامها في أعوام المجاعة « 1 » . ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التاريخ المصري إنما يصدق الأحداث التي أتت بيوسف عليه السلام إلى هذا المنصب ذلك أن مصر إنما كانت عرضة للمجاعات ، وفترات من تدهور الإنتاج الزراعي والحيواني على مرّ العصور ، ولقد كان ذلك في أغلب الأحايين من آثار اضطراب النيل وامتناع فيضه ، وإخلاله بالوفاء ، كما تعوّد وتعوّد منه الناس كل عام ، فإذا تدهور وأقام على نقائصه لم تكد مياهه لتصل إلى الأرض التي تتحرق شوقا إليه ، وتنتظر العام كله ، أو جله ، للقائه ، فعندئذ فلا ريّ ولا استنبات ، ثم لا زرع ولا ضرع ، فتكون الكارثة التي تنزل بالبلاد والعباد « 2 » . والتاريخ يحدثنا أن اللّه تعالى ما جعل بلدا في العالم ، تتوقف حياته ووجوده ، مصيره ومستقبله ، في السلم أو في الحرب ، أو يرتبط سكانه وتاريخه بنهر ، مثلما تفعل مصر والنيل ، ومن ثم فإذا بالغ النيل في فيضه أحيانا ، فتعظم أمواهه وتضري أمواجه ، فإذا هو يندفع طوفانا عنيفا مدمرا مغرقا كل شيء ، ثم لا يكاد ينحسر عن الأرض إلا وقف انقضى من أوان البذر وقت قد يكون على الإنتاج أيام الحصاد سيّئ المسغبة ، وإن لم يبلغ

--> ( 1 ) أنظر : تاريخ الطبري 1 / 347 - 348 ، الكل لابن الأثير 1 / 83 - 88 ، ابن كثير : البداية والنهاية 1 / 210 ، صفوة التفاسير 2 / 57 ، تفسير أبي السعود 4 / 286 ، تفسير الخازن 3 / 292 . ( 2 ) انظر : تفسير ابن كثير 4 / 321 ، تفسير القرطبي ص 3446 - 3447 ، تفسير الطبري 16 / 148 - 152 ، تفسير النسفي 2 / 228 ، أحمد عبد الحميد يوسف : المرجع السابق ص 55 ، تفسير الجلالين ص 311 - 312 ، صفوة التفاسير 2 / 57 .